تصدر في حلقات لحين اطلاق الإصدار الرسمي
📄 حول هذا المقال: هذا المحتوى كُتب أصلاً باللغة العربية. إذا كنت تقرأه بلغة أخرى، فيرجى العلم أن هذه ترجمة آلية فورية لحين توفر الترجمة الاحترافية المعتمدة.
خلفَ جدارِ الصمتِ في القدس، هناكَ حجرٌ لا ينام، يحملُ بصمةَ ملكٍ مصريٍّ سلبوا منه المفاتيحَ في ليلةٍ غابَ فيها الضمير. لستُم بصددِ قراءةِ حكايةٍ عابرة، بل أنتم أمامَ ‘الصندوقِ الأسود’ لواقعةٍ غُيِّبت تفاصيلُها خلفَ تلالٍ من الخرسانةِ لستةٍ وخمسين عاماً. تبدأُ الرحلةُ بنبضةِ ليزرٍ تخترقُ زيفَ الحاضر، لِتنبشَ عن ‘مفاتيحِ النيل’ الضائعةِ في دهاليزِ التاريخِ المنسي. استعدوا لمواجهةِ الحقيقةِ عارية، حيثُ يرتجفُ الحجرُ أمامَ العلم، وتتكلمُ الأرقامُ بما سكتَ عنه البشر. موعدُنا مع النورِ الذي لا ينطفئ في ١٩ يونيو، والبدايةُ.. من هنا.
سقف القيامة ومحابس النيل

الحلقة الاولى (تصدر في حلقات )
مقدمة
في تلك الساعةِ المتأخرةِ من ليلِ القاهرة، حيث يرتعشُ الفجرُ خجلاً خلفَ مآذنِ المدينةِ الألفيةِ وأجراسِ كنائسِها العتيقة، كان الصمتُ في المقرِّ البابويِّ بالدربِ الواسع بـ “الأزبكية” يمتلكُ كثافةً ماديةً تشعرُ بها فوق جلدِك. لم يكن مجردَ غيابٍ للضجيج، بل كان احتشاداً مهيباً لأرواحِ البطاركةِ والقديسين الذين عبروا من هذا الزقاقِ الضيقِ منذ أن استقرَّ فيه الكرسيُّ المرقسيّ، وتكثيفاً خانقاً لروائحِ البخورِ التي تشرَّبها الحجرُ عبرَ السنين حتى صارَ الحجرُ نفسُه يفوحُ بالصلاة. في قلايتِه البسيطة، التي كانت أشبهَ بكهفٍ من النورِ وسطَ صخبِ العاصمة، كان البابا كيرلس السادس يجلسُ مسنداً ظهرَه إلى كرسيهِ الخشبيِّ المتهالك. كان الرجلُ الذي قاربَ على السبعين يبدو في تلك اللحظةِ وكأنه أيقونةٌ حيةٌ نُحِتت من خشبِ الأبنوسِ ومن زهدِ وادي النطرون، وعناء طاحونة مصر القديمة، يرتدي ثوباً أسودَ خشناً لم تلمسْه أبهةُ المناصب، وتفوحُ منه رائحةُ “الطيب” الممزوجةِ بعبقِ المخطوطاتِ العتيقةِ التي كانت تُحيطُ به كحراسٍ من ورق.
لم يكن البابا يقرأُ في “الأجبية” (كتاب صلوات السواعي) فحسب، بل كان يغوصُ في لُجّةِ المزامير، وصوتُه المتهدجُ الذي أضناهُ النسكُ يخرجُ من أعماقه كأنه أنينُ النيلِ في ليالي الفيضانِ البعيدة، يحملُ عتباً خفياً وصلاةً تتجاوزُ حدودَ المكانِ لِتشتبكَ مع روحِ الكنيسةِ المعلقةِ هناك، فوق سقفِ القيامةِ في القدسِ الشريف. كان يشعرُ بـ “انقباضةٍ” وجدانيةٍ مفاجئة، “ثقلٍ” كونيٍّ جاثمٍ فوق صدرِه النحيل، كأنَّ غباراً ناتجاً عن هدمِ جدرانٍ قديمةٍ قد تسللَ عبر آلافِ الأميالِ لِيخنقَ أنفاسَه في قلبِ القاهرة. وضع يده المرتعشةَ، التي طالما مسحتْ دموعَ الآلافِ وباركتِ الصغار، فوق قلبِه الذي يخفقُ بنبضِ التاريخ، وتمتم بكلماتٍ أنين غامضة، بينما كانت عيناهُ معلقتينِ بأيقونةِ العذراء “حالة الحديد”، وكأنه يستغيثُ بها لِتمنعَ انكسارَ معدنٍ ما في مكانٍ بعيد.
في تلك اللحظة، لم يكن “دير السلطان” بالنسبةِ للبابا مجردَ مساحةٍ جغرافيةٍ تُقاسُ بالأمتار، بل كان “الوثيقةَ الكبرى” لوجودِ الأمةِ القبطيةِ في قلبِ المقدسات. عادت ذاكرتُه إلى صفحاتِ كتابِ القمص فيلوثاوس المقاري، ذلك الرجلِ الداهيةِ الذي وضعَ عام 1924 كتابَه الشهير “أمثال القبط في القدس الشريف”، والذي كان البابا يحفظُ أجزاءً منه عن ظهرِ قلب. تذكرَ وصفَ فيلوثاوس للديرِ بأنه “منحةُ السلطان صلاح الدين الأيوبي” لأقباطِ مصرَ عام 1187م، تقديراً لبطولاتِهم في الحروبِ الصليبية، وكيف كان الديرُ يُعرفُ بـ “دير الملاك” قبل أن يُطلقَ عليه اسم “دير السلطان” تخليداً لهذه المنحةِ السلطانية. كان يدركُ أنَّ هذا السقفَ الذي يعلو كنيسةَ ”القديسة هيلانة” ليس مجردَ حجر، بل هو “قفلُ السيادة” الذي يربطُ بين القاهرةِ والقدسِ برباطٍ لاهوتيٍّ وسياسيٍّ لا يجرؤُ الزمانُ على فكه.
كان الهواءُ في القلايةِ يزدادُ برودةً، لكنَّ عقلَ البابا كان يغلي بذكرياتِ “الفرمانات” العثمانيةِ التي جمعها الرهبانُ بدمِ قلوبِهم؛ فرمانُ السلطان سليم الأول عام 1517، وفرمانُ السلطان محمد الرابع عام 1660، وصولاً إلى نظام “الستاتيكو” (Status Quo) الذي أقرَّه السلطان عبد المجيد عام 1852، والذي ثبَّتَ ملكيةَ الأقباطِ للديرِ بشكلٍ قطعيٍّ أمامَ العالمِ أجمع. كان البابا يعلمُ أنَّ كلَّ حجرٍ في الدير، من كنيسةِ “الأربعة حيوانات غير المتجسدة” إلى كنيسةِ “الملاك ميخائيل”، يحملُ بصمةَ راهبٍ مصريٍّ جاعَ وعطشَ وصلى لِيبقى اسمُ مصرَ مرفوعاً فوق سقفِ القبرِ المقدس.
انقطعَ جلالُ اللحظةِ وخشوعُها بوقعِ حوافرِ القدرِ التي كانت تقتربُ حثيثةً في الردهاتِ الخارجيةِ للمقرِّ البابوي. كانت خطواتٍ مرتبكة، سريعة، لا تشبهُ وقارَ المكان. انفتحَ البابُ ببطءٍ ليدخلَ سكرتيرُ البابا مرتبكاً، القمصُ “يوحنا”، بملامحَ خطَّ فيها الشحوبُ ملامحَ الهزيمةِ المرة. كان يحملُ بين يديه ورقةً صفراءَ صغيرة، ورقةٌ وردتْ للتو عبر جهازِ “التلكس” الاستثنائيِّ من رئاسةِ الجمهورية، كانت قد استقبلتْه بدورِها من القنصليةِ اليونانيةِ في عمان، كأنَّ الجغرافيا كلَّها قد تآمرتْ لِتوصيلِ هذه الطعنةِ في ليلةِ “عيد القيامة”.�لم تكن تحمل تهنئة أو مجاملة، بل كانت تحمل ناراً، أو سكينا أحس القمص يوحنا أنه سيطعن بها البابا كيرلس الذي اضطرب لرؤية سكرتيره بهذه الملامح.
تناول البابا الورقةَ بيدٍ ثابتةٍ رغم الوهنِ الظاهر، وما إن وقع بصرُه على الكلماتِ المقتضبةِ حتى أحسَّ أنَّ سقفَ القلايةِ ينهارُ فوق رأسِه، بل أحسَّ أنَّ آلافَ السنينِ من التاريخِ المصريِّ تُعصرُ في ثانيةٍ واحدة. كانت البرقيةُ تقول بلغةٍ باردةٍ وجافة: “بأوامر عسكرية من سلطات الاحتلال، تم تمكين الرهبان الأحباش من كسر أقفال دير السلطان القبطي وتسليمهم مفاتيح الكنيستين والممرات المؤدية لهما، تحت حراسة مشددة من الجيش الإسرائيلي ومنع الرهبان المصريين من التدخل”.
أطبقَ البابا جفنيه، وتراءتْ له في تلك اللحظةِ صورةُ الإمبراطورِ الإثيوبيِّ “هيلاسلاسي”، “الأسد القاهر من سبط يهوذا”، ذلك الرجل الذي استقبله البابا في القاهرةِ بكلِّ مودةٍ روحية، ومنحَ كنيستَه الاستقلالَ الكنسيَّ (السيامة) عام 1959 في عملٍ من أعمالِ المحبةِ الأبويةِ النادرة. أحسَّ البابا بمرارةِ “خيانةِ الابن” تملأُ جوفه كعلقمٍ قديم. كيف يمكنُ لـ “الضيف” الذي استضافه الأقباطُ في ديرِهم لقرونٍ من منطلقِ الرحمةِ والرهبنة، أن ينقلبَ على صاحبِ البيتِ تحت حمايةِ المدافعِ الإسرائيلية؟
كان يدركُ بخبرتِه الروحيةِ الطويلةِ ودهاءِ الصمتِ الذي يتقنُه، أنَّ ما حدثَ ليلتَها في القدسِ لم يكن مجردَ نزاعٍ على “ممراتٍ” أو “غرفٍ” للسكن، بل كان عمليةً جراحيةً كبرى تهدفُ لاستئصالِ السيادةِ المصريةِ الروحيةِ من القدس، مستغلةً جراحَ مصرَ النازفةِ منذُ نكسةِ يونيو 1967. فالديرُ الذي يقعُ فوق سقفِ كنيسةِ القيامة، يطلُّ بظلالِه على تاريخِ الصراعِ العربيِّ الإسرائيلي، وكان سقوطه يعني فقدانَ أهمِّ “رئةٍ” تتنفسُ منها الكنيسةُ المرقسيةُ في الأراضي المقدسة.
همس البابا بصوتٍ مخنوق، وعيناهُ معلقتانِ بصليبِه الخشبيّ: — “أهكذا تُجازى المحبةُ يا صاحبَ العرش؟ أهكذا يُسرقُ بيتُ أبيك في ليلةِ عيدِه؟”. في تلك اللحظة، كان يدركُ أنَّ الفرماناتِ العثمانيةَ التي وثقها فيلوثاوس، والعهودَ التي قطعها صلاح الدين، قد وُضعتْ جميعُها تحت “مشرط” السياسةِ الإقليميةِ اللئيم. كان يعلمُ أنَّ هذه الأقفالَ التي انكسرتْ ستظلُّ معلقةً في رقبةِ الكنيسةِ والدولةِ المصريةِ لعقودٍ طويلة، وأنَّ استعادتَها لن تكونَ بالصلاةِ وحدَها فهو رجلها، لكنه سيصلي فهذا ما يملكه، بل بـ “قوةِ العلم” و”دقةِ الأرقام” التي ستكشفُ يوماً ما دُفنَ خلفَ تلك الجدرانِ الخرسانيةِ الزائفة.
وضع البابا الورقةَ على الطاولةِ بجوارِ …
تابعونا