قاضيهم

قاضيهم.. صرخة ابن غاضب في وجه أمه الكنيسة: متى تسقط هالات العصمة؟

في الوجدان المسيحي، الكنيسة هي “الأم”. هي الحضن الذي يلجأ إليه المتعبون، والملاذ الذي يفر إليه المثقلون بأحمال العالم ليلقوا همومهم عند أقدام المذبح. ولكن.. ماذا يحدث عندما يتحول “الراعي” المؤتمن على هذا الحضن إلى “قاضٍ”؟ ماذا يحدث عندما تُستبدل الرحمة بحرفية القوانين، وتُطمس العدالة بحجة الحفاظ على “سمعة الطائفة”؟

هنا، وفي هذه المنطقة الشائكة والمؤلمة، يقف الكاتب “كيرلس كمال” ليطلق صرخة مدوية عبر روايته الجريئة “قاضيهم”. صرخة ليست من عدو يتربص، بل من ابن غاضب، موجوع، يرى بيت أمه يتصدع من الداخل بسبب أخطاء من أُتمنوا على حراسته.

العصمة المرفوضة لاهوتياً.. والمُطبقة فعلياً!

تضعنا رواية “قاضيهم” أمام مرآة قاسية للحقيقة. فرغم أن الكنيسة الأرثوذكسية ترفض لاهوتياً وتاريخياً مبدأ “عصمة البابا” أو عصمة رجال الدين بشكل عام، إلا أن الرواية تكشف كيف تحولت هذه العصمة إلى ممارسة يومية وتلقائية في أوساطنا.

لقد أُحيط رجل الدين ــ سواء كان شماساً، كاهناً، أو أسقفاً ــ بهالة من التقديس المفرط الذي يصل أحياناً إلى حد العبادة. في مجتمعاتنا، أصبح من يرتدي “الزي الأسود” منزهاً عن الخطأ والمراجعة، وكأن “الأبوة” تعني العصمة المطلقة! هذا الخلط الخطير بين احترام الرتبة وتقديس الشخص هو ما أنتج لنا نماذج مثل “الأنبا ثيوفانيوس” (بطل الرواية)، ذلك الأسقف الذي أسكرته السلطة، فبات يوزع الأحكام، ويصم الآذان عن النصيحة، معتقداً أن المذبح يكلمه شخصياً وأنه يحكم بسلطان الله.

عندما تُنتج الكنيسة أعداءها

من أعمق جراحات هذه الرواية، هي قصة “منير”، الشاب الذي كان مسيحياً مؤمناً، قبل أن تدهسه عجلة الروتين الكنسي والمحسوبية. الرواية لا تبرر لمنير إلحاده أو تطرفه اللاحق في مهاجمة كل الأديان، لكنها تضع يدها على الجرح: كم منير بيننا اليوم؟

كم شاباً فقد مرجعيته وكفر بكل الثوابت لأن “راعياً” متعنتاً رفض الاستماع إليه؟
عندما تتمسك الرئاسات الدينية بحرفية النصوص وتتجاهل “إنسانية” الإنسان، وعندما تُغلق أبواب الرحمة بحجة اللوائح والقوانين، فإن الكنيسة، وبكل أسف، تدفع أبناءها نحو الهاوية. يتحولون إلى شتات، يبحثون عن مرجعية بديلة، وفي كثير من الأحيان، تنتهي رحلتهم عند الإلحاد أو الهجوم القاسي على المؤسسة التي خذلتهم. وكما تقول الرواية بلسان أحد أبطالها: “اليسير من الخميرة يخمر العجين كله… ولما الغلط يحصل منهم، الناس بتضيع”.

الفضيحة أم العدالة؟

تصل الرواية إلى ذروة صدمتها عندما تكشف كيف يتم التضحية بالبسطاء على مذبح “السمعة”. في مشهد يدمي القلب، نرى كيف توافق القيادة الكنسية على ترك عامل بسيط يُسجن ظلماً في تهمة لم يرتكبها، وتُجبر زوجته المقهورة على توقيع إيصالات أمانة تضمن صمته، فقط لتجنب “شوشرة” قد تطال سيدة مخطئة ولكنها محسوبة على الكنيسة!
هنا تنطلق صرخة الزوجة المكلومة لتلخص رسالة الرواية كلها: “سيدنا مين يا أبونا؟ ربنا ما يرضاش بالظلم!”.
هل الله حقاً يرضى بأن نُهدر حق فقير لنحفظ صورة مؤسسة؟ أليس الله هو إله العدل قبل أن يكون إله الطوائف؟

قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً.. النقد كفعل إيمان

قد يتهم البعض هذه الرواية بأنها تتجاوز الخطوط الحمراء، أو أنها تُعثر البسطاء. لكن الكاتب كان ذكياً وحصيفاً حين استند إلى الكتاب المقدس نفسه ليبرر غضبته.
يذكرنا الكاتب بأن الأنبياء والرسل والأبرار أخطأوا، وقُبلوا النقد والمواجهة.
ألم يواجه ناثان النبي الملك داود بخطيئته؟
ألم يصحح يثرون مسار موسى النبي؟
ألم يصرخ بولس الرسول في وجه بطرس الرسول، صخرة الكنيسة، قائلاً: “قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا”؟

إذا كان الرسل أنفسهم قد خضعوا للمراجعة والتقويم، فكيف نضنُّ نحن بهذا الحق على أساقفة وكهنة اليوم؟ إن إخفاء الأخطاء خوفاً من “العثرة” هو العثرة الحقيقية. الكنيسة القوية هي التي تتطهر بالاعتراف بالخطأ، لا تلك التي تدفن نفاياتها تحت سجاد الهيكل.

كلمة لابد منها

في النهاية، رواية “قاضيهم” ليست دعوة للتمرد الأعمى، ولا هي منشور كراهية ضد الكهنوت. إنها “مشرط جراح” يمسك به ابنٌ خائفٌ على جسد أمه من تفشي السرطان.

الغضب الذي ينضح من بين سطور هذه الرواية هو غضب الحب، غضب الانتماء. نحن ننتقد لأننا نحب، ونغضب لأننا لا نطيق أن نرى مكانتنا الروحية تُختطف بأيدي من لا يقدرون ثقل المسؤولية.

هذه الرواية جرس إنذار حقيقي.. تذكرنا بالقاعدة الذهبية التي اختتم بها الكاتب عمله: “صلاح الرعية يتبع دوماً صلاح الراعي، وهلاك الرعية يتبع دوماً ضلال الراعي”.

فلنقرأ “قاضيهم” بقلوب مفتوحة وعقول يقظة، ليس لنجلد أحداً، بل لنتعلم كيف نكون أبناءً ناضجين، وكيف نساعد رعاتنا ليكونوا أطباء لأرواحنا، لا قضاةً يهلكوننا بلا رجاء.


للحصول على النسخة الورقية بأفضل سعر وأقل مصاريف شحن من داخل أمريكا والمملكة المتحدة لفترة محدودة (وأقل من أسعار المكتبات العامة)

قاضيهم: رواية
Rezk, Kerolos Kamal

للحصول علي النسخة الإلكترونية من أمازون وكافة المكتبات العامة يمكنكم الضغط على الروابط التالية أو البحث باستخدام رقم الإيداع الدولي في مكتباتكم المفضلة


قاضيهم

ISBN for the ebook: 979-8950466977

ISBN for the Paperback: 979-8950466007

للحصول على عينة مجانية من الرواية وقراءة أول فصلين برجاء ملء النموذج التالي

Name

Leave a Comment